أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

468

شرح مقامات الحريري

فلم يبق من القوم إلّا من سرّ لسروره ؛ ورضخ له بميسوره فقبل عفو برّهم ، وأقبل يغرق في شكرهم . ثمّ انحدر من الصّخرة ، يؤمّ شاطئ البصرة ، واعتقبته إلى حيث تخالينا ، وأمنّا التجسّس والتّحسّس علينا ، فقلت له : لقد أغربت في هذه النّوبة ، فما رأيك في التّوبة ، فقال : أقسم بعلّام الخفيّات ، وغفّار الخطيّات ، إن شأني لعجاب ، وإنّ دعاء قومك لمجاب ، فقلت زدني إفصاحا ، زادك اللّه صلاحا فقال : وأبيك لقد قمت فيهم مقام المريب الخادع ، ثمّ انقلبت منهم بقلب المنيب الخاشع ، فطوبى لمن صغت قلوبهم إليه وويل لمن بات يدعون عليه . ثمّ ودّعني وانطلق ، وأودعني القلق . قوله : فطفقت ، أي أخذت وجعلت . تمدّه بالدعاء ، أي تصل دعاءها بدعائه ، وتقول : أمددته بالمال ، إذا قوّيته به ، ومددته بالجيش . رجفانه : اهتزازه ، ورجف الشيء : تحرّك ، والرجفة : اهتزاز الأرض . بانت : ظهرت . انجابت : انكشفت وزالت . غشاوة الاسترابة : غطاء الشكّ . رضخ : أعطى . ميسوره : ما تيسر له . وعفو برهم : فضل إحسانهم . يهرف : يكثر الكلام ويطنب في الشكر . انحدر : انصبّ . يؤمّ : يقصد . شاطئ : ساحل . اعتقبته : تبعته تخالينا . : صرنا في خلوة من الناس . التّجسّس : طلب الشيء باليد ، وقيل : التجسّس : طلب الشيء بالكلام . والتّحسس : طلبه باليد ، ثم قد يقع كلّ واحد منهما موقع صاحبه . ابن الأنباريّ : تجسس الرجل وتحسّس بمعنى واحد ، هذا إجماع أهل اللغة . وفرّق بينهما يحيى بن أبي كثير ، فقال : التحسّس البحث عن عورات الناس والتجسّس الاستماع لحديث القوم . ابن الأنباري : الجاسوس : الباحث على أمور الناس . النّوبة : الدولة . إيضاحا : بيانا . المريب : صاحب الريبة . المنيب : الرّاجع إلى اللّه بتوبته . الخاشع : هو الخاضع . صغت : مالت . * * * فلم أزل أعاني لأجله الفكر ، وأتشوّف إلى خبرة ما ذكر وكلّما استنشيت خبره من الرّكبان ، وجوّابة البلدان ، كنت كمن حاور عجماء ، أو نادى صخرة صمّاء ، إلى أن لقيت بعد تراخي الأمد ، وتراقي الكمد ركبا قافلين من سفر ، فقلت : هل من مغرّبة خبر ؟ فقالوا . إنّ عندنا لخبرا أغرب من العنفاء ، وأعجب من نظر الزّرقاء . * * *